محمد محمد أبو ليلة
83
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وفي ثنايا كلمة " مثاني " ما يفيد أن القرآن مثنوى ، أو زوجي ؛ من حيث عدد سوره ( مائة وأربع عشرة سورة ) ؛ وهو " مثاني " أيضا ، لأنه يحض على الدنيا والدين ، والدين والدولة ، والروح والجسد ، والعلم والعمل ، وعلى الإيمان الظاهر والباطن ، وعلى الحقيقة والشريعة ، والعقائد والعبادات وعلى احتوائه على علوم الأولين والآخرين . فمعنى " مثاني " على توجيهنا هذا ، ثنائى ، وثنائية القرآن لا تقبل الفصل أو العذل . أما عن كلمة " مثاني " من المنظور الغربى ، فقد تعددت آراء المستشرقين فيها ، إذ يعتقد البعض أنها مأخوذة من اللفظة العبرية ميشنا ( MISHNAH ) ( التعاليم الشفهية اليهودية أو موضوعات معدة للتعليم ) ، ونصوص الميشنا ، غير مقدسة ؛ وإنما هي نصوص تشريعية ، تتضمن القوانين ، والتقاليد ، والمأثورات ، والشعائر ، والتعاليم السلوكية ، والأحداث التاريخية لليهود ، أو هي مأخوذة في زعمهم من الكلمة السريانية الآرامية ، مثنيثا ( MATHNITHA ) . ولسنا ندري ما هي العلاقة بين هذه الألفاظ الثلاثة ( مثاني ، وميشنا ، ومثنيتا ) ، ولما ذا هذا التحميل البعيد على العبارات ، وفرض علاقات وهمية بين الكلمات ، لمجرد ما قد يكون بينها من تشابه يسير في النطق ؟ ! ؛ والقرآن كلام اللّه ، وليس كلام كتّاب الوحي ، ولا الصحابة ، ولا فقهاء الأمة ، ولا هو من نتاج المدارس الفكرية المختلفة التي تشكلت في الأحقاب ، والمدد الطويلة ، كما هو الحال بالنسبة للميشنا . وقد أصاب بل ووات إذ رفضا هذا التفسير الغريب لكلمة " مثاني " ؛ حيث يريا أن كلمة " مثاني " ( الآرامية أو السريانية ) إذا أطلقت على المعنى الذي تحمله أي من الكلمتين ، فإنه لا يمكن أن تفسّر لنا معنى القرآن ، المقترن ذكره بالسبع المثاني في الآية السابقة ؛ ولا يمكن كذلك أن تفسر لنا هذه الكلمة وصف " المثاني " بأنها : مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ( 13 ) ( الزمر : 23 ) ، ذلك الوصف الذي لا توحى به الكلمة العبرية ، أو الآرامية اليهودية ؛ ويضيف وات قائلا : " الشيء الوحيد الذي يمكن لأصحاب هذا التفسير أن يقدموه ، هو تفسير العدد سبعة في الآية : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) ، هذا على زعم أن كلمة ميشنا يراد بها أيضا ما تعنيه الآية " .